محمد بن جرير الطبري

84

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ يقول تعالى ذكره : وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ المشركون بالله من قريش إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً يعني بالصيحة الواحدة : النفخة الأولى في الصور ما لَها مِنْ فَواقٍ يقول : ما لتلك الصيحة من فيقة ، يعني من فتور ولا انقطاع . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً يعني : أمة محمد ما لَها مِنْ فَواقٍ حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا المحاربي ، عن إسماعيل بن رافع ، عن يزيد بن زياد ، عن رجل من الأنصار ، عن محمد بن كعب القرظي ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله لما فرغ من خلق السماوات والأرض خلق الصور ، فأعطاه إسرافيل ، فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر " . قال أبو هريرة : يا رسول الله وما الصور ؟ قال : " قرن " ، قال : كيف هو ؟ قال : " قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات : نفخة الفزع الأولى ، والثانية : نفخة الصعق ، والثالثة : نفخة القيام لرب العالمين ، يأمر الله إسرافيل بالنفخة الأولى ، فيقول : انفخ نفخة الفزع ، فيفزع أهل السماوات وأهل الأرض إلا من شاء الله ، ويأمره الله فيديمها ويطولها ، فلا يفتر وهي التي يقول الله ما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ واختلف أهل التأويل في معنى قوله : ما لَها مِنْ فَواقٍ فقال بعضهم : يعني بذلك : ما لتلك الصيحة من ارتداد ولا رجوع . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ما لَها مِنْ فَواقٍ يقول : من ترداد . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ما لَها مِنْ فَواقٍ يقول : ما لها من رجعة . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : ما لَها مِنْ فَواقٍ قال : من رجوع . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ما لَها مِنْ فَواقٍ يعني الساعة ما لها من رجوع ولا ارتداد . وقال آخرون : بل معنى ذلك : ما لهؤلاء المشركين بعد ذلك إفاقة ولا رجوع إلى الدنيا . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ما لَها مِنْ فَواقٍ يقول : ليس لهم بعدها إفاقة ولا رجوع إلى الدنيا . وقال آخرون : الصيحة في هذا الموضع : العذاب . ومعنى الكلام : ما ينتظر هؤلاء المشركون إلا عذابا يهلكهم ، لا إفاقة لهم منه . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : ما لَها مِنْ فَواقٍ قال : ما ينتظرون إلا صيحة واحدة ما لها من فواق ، يا لها من صيحة لا يفيقون فيها كما يفيق الذي يغشي عليها وكما يفيق المريض تهلكهم ، ليس لهم فيها إفاقة . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة مِنْ فَواقٍ بفتح الفاء . وقرأته عامة أهل الكوفة : " من فواق " بضم الفاء . واختلفت أهل العربية في معناها إذا قرئت بفتح الفاء وضمها ، فقال بعض البصريين منهم : معناها ، إذا فتحت الفاء : ما لها من راحة ، وإذا ضمت جعلها فواق ناقة ما بين الحلبتين . وكان بعض الكوفيين منهم يقول : معنى الفتح والضم فيها واحد ، وإنما هما لغتان مثل السواف والسواف ، وجمام المكوك وجمامه ، وقصاص الشعر وقصاصه . والصواب من القول في ذلك أنهما لغتان ، وذلك أنا لم نجد أحد من المتقدمين على اختلافهم في قراءته يفرقون بين معنى الضم فيه والفتح ، ولو